فكر يتحدث بإسم الإسلام أخبر عن ظهوره الصادق الأمين في آخر الزمان، يلغي سنة المصطفى بحجة أن القرآن لا يحتاج إلى بيان وكل شيء مفصل فيه، فكر لقى رواجا واسعا عند أصحاب الأهواء، فكر أقل ما يقال عليه فتن المسلمين في الأخذ بسنة نبيهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في زمان عز فيه من يأخذ بالسنة ويعمل بها.
ولقد
كانت وصايته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التمسك بسنته في آخر حياته وصية مودع
لأمته، ففي الحديث من السسن للدارمي عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ، قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ
الْفَجْرِ، ثُمَّ وَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ
مِنْهَا الْقُلُوبُ. فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ
مُوَدِّعٍ؟ فَأَوْصِنَا. فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ
وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي، فَسَيَرَى
اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسَنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ
الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْمُحْدَثَاتِ،
فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ»"
وظهرت
في هذا الزمان طوائف تلغي سنة المختار سيد الأبرار صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
جملة وتفصيلا، وترد أحكاما بحجة أنها لم ترد صراحة في كتاب الله، وأن الأخذ بها
غير موافق لما أنزل الله في كتابه على حد زعمهم. مأكدة صدق المصطفى في نزول الجهل
ورفع العلم الذي حل بالأمة في مشارق الأرض ومغاربها ، وما نعيشه ونعاينه ما هو إلا
صدقا وحقا كما ففي صحيح البخاري عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ
عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَا : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : " إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ لَأَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ،
وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ وَالْهَرْجُ ، الْقَتْلُ
". ولقد أبتليت الأمة بهم، كأن جراح المسلمين لا تكاد تندمل حتى يخرج من
الأمة من يزيد همومها ويغرقها في متاهات ويزيد في فرقتها وتفرقها، كي يبعدها عن
وحدة الصف والإجتماع على كلمة قلب رجل واحد. وصدق المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقد خرج فينا من يحدثنا بأن نترك سنة نبينا وما سمعنا بهذا من قبل كما ورد في الحديث الصحيح من المسند الموضوعي
الجامع للكتب العشرة عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "سَيَكُونُ فِي آخِرِ
الزَّمَانِ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا
آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ".
وحالهم
في هذا الزمان كما أخبرنا رسول الله صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهل أهواء متئكين على الأرائك، يخوضون ويردون أحاديث
النبي وسنته كما ترد أحكام البشر الوضعية، في سابقة خطيرة على الأمة الإسلامية كما
جاء في مسند الإمام الشافعي عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا أُلْفِيَنَّ
أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا
أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: مَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ
اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ ". وقد تعددت مواقعهم في الشبكة العنكبوتية وتعددت
قنواتهم الإعلامية، ما بات يعرف بــ "القرآنيون "، فظهرت فكرة إنكار السنة
في الهند في فترة الاحتلال الإنجليزي على يد أحمد خان الذي فسر القرآن بمنهج عقلي،
ووضع شروطا تعجيزية لقبول الحديث مما جعله ينكر أغلب الأحاديث. ثم تلاه عبد الله جكرالوي
في باكستان الذي كان يشتغل بدراسة الحديث، من ثم اصطدم بالعديد من الشبهات حوله، فتوصل
في النهاية لإنكار كافة الحديث وأن القرآن هو ما أنزله الله على الرسول محمد، وأسس
جماعة تسمى أهل الذكر والقرآن التي دعا من خلالها إلى أن القرآن هو المصدر الوحيد لأحكام
الشريعة وألف في ذلك كتباً كثيرة. وتبنى نفس الفكر أحمد الدين الأمرتسري مؤسس جماعة
أمة مسلمة التي كان يدعو فيها لأفكاره، وأخيرا غلام أحمد برويز.
والعجيب
في الأمر أن هذا الفكر كسابقيه، منتوج من مستدمرات بريطانيا (الهند وباكستان)
مصدّر إلى الأمة ، كانت بداياته في بداية الحكم الجبري في المرحلة الأولى منه،
وليزال ينفث سمه في الأمة إلى يومنا هذا من المملكة المتحدة البريطانية وأمريكا.
كما لقي هذا الفكر عند العرب رواجا منهم أحمد صبحي منصور من مصر
الذي ظهر على ساحة الإنترنت العربي داعيا لمنهجه
الجديد، فأسس المركز العالمي للقرآن الكريم "IQC" في ولاية فيرجينيا وموقعه على الإنترنت
أهل القرآن.
ولقد
أخبرنا الصادق الأمين المخبر عن رب العالمين عن أفكارهم السامة التي يحاولون جهدهم
في تمرريها في الأمة، ومنها خاصة أن الرسول لا يحرم ولا يصدر أحكاما إذ ليس بمشرع
والمشرع هو الله وحده، وهذا الكلام صحيح، لكن ما خفي على هؤلاء الجهلة أن ما حرم
رسوله وما قرر من أحكام ليس من منطق البشرية المحظة بل من منطلق النبوة إذ لا ينطق
عن الهوى كما أخبرنا المولى عزوجل في محكم تنزيله ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (1) مَا
ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ (2) وَمَا
يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ
هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4) عَلَّمَهُ
شَدِيدُ الْقُوَىٰ﴾ وسنته وحي مما أوحاه الله له وليست من إختراعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كما ورد في صحيح إبن حبان عَنِ الْمِقْدَامِ
بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ
قَالَ: "إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمَا يَعْدِلُهُ يوشك شعبان عَلَى أَرِيكَتِهِ
أَنْ يَقُولَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ هَذَا الْكِتَابُ فَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ
أَحْلَلْنَاهُ وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ أَلَا وإنه ليس كذلك".
والعاقل
الذي يفهم مما تقدم أن تشريعات السنة
مثلها مثل تشريعات القرآن، وما فعله وتطبيقه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
لأحكام ما هو إلا وحي وتشريع سماوي من رب العالمين ويؤكد ذلك ما ورد في مصنف إبن
أبي شيبة عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ أَشْيَاءَ فَذَكَرَ الْحُمُرَ الْإِنْسِيَّةَ،
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُوشِكُ الرَّجُلُ
يَتَّكِئُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمُ كِتَابُ اللَّهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ
وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ
اللَّهِ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ". فالنبي أخبر وصرح أن ما حرمه مثل ما
حرم الله. وهل يعقل أن يشرع النبي من تلقاء نفسه ويسرد أحكاما من هواه غير موافقة
لأحكام الله؟؟ وهو الذي أخبر المولى عزوجل عنه في محكم تنزيله ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ
ۙ قَالَ
الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ
ۚ قُلْ
مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ
أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي
أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
ويأتي
خبره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مؤكدا لبعض أمثلة ما جاء تحريمها في السنة
ولم يرد في القرآن ذكرها، كما جاء ذكره في مسند الإمام أحمد عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ
مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ
الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ
يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ،
وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ
الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، أَلَا وَلَا لُقَطَةٌ
مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ
بِقَوْمٍ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُمْ، فَلَهُمْ أَنْ
يُعْقِبُوهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُمْ ". وهذا الحديث ما هو إلا توضيح للآية
وتأكيد على وجوب الأخذ بتشريعات النبي، قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن
تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِۚ ذَٰلِكَ
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
وصدق
ما جاء في الحديث الموقوف عن ابْنَ مَسْعُودٍ كما ورد في الأدب المفرد بإسناد حسن "عن
زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ:
كَثِيرٌ فُقَهَاؤُهُ، قَلِيلٌ خُطَبَاؤُهُ، قَلِيلٌ سُؤَّالُهُ، كَثِيرٌ مُعْطُوهُ،
الْعَمَلُ فِيهِ قَائِدٌ لِلْهَوَى. وَسَيَأْتِي مِنْ بَعْدِكُمْ زَمَانٌ: قَلِيلٌ
فُقَهَاؤُهُ، كَثِيرٌ خُطَبَاؤُهُ، كَثِيرٌ سُؤَّالُهُ، قَلِيلٌ مُعْطُوهُ، الْهَوَى
فِيهِ قَائِدٌ لِلْعَمَلِ، اعْلَمُوا أَنَّ حُسْنَ الْهَدْيِ، فِي آخِرِ الزَّمَانِ،
خَيْرٌ مِنْ بَعْضِ الْعَمَلِ"

الرجاء عد الإساءة في التعليقات، فالله يسمع ويرى خارج الموضوع تحويل الاكواد إخفاء الابتسامات إخفاء